محمد متولي الشعراوي

2707

تفسير الشعراوى

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 135 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 135 ) وساعة ينادى الحق عباده المؤمنين قائلا : يا أيها الذين آمنوا ، فكأنه يقدم حيثية الحكم الذي يأتي بعده ، ونحن نرى القضاء البشرى قبل أن ينطق بمنطوق الحكم ، يورد حيثيته ، فيقول : « بما أن المادة القانونية رقم كذا تنص على كذا ، حكمنا بكذا » . إذن : فالحيثيات تتقدم الحكم . وحيثيات الحكم الذي يحكم به اللّه هي الإيمان به ، مثل قول الحق : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ( من الآية 183 سورة البقرة ) حيثية الكتابة هنا وفي أي حكم آخر هي إيمان العبد باللّه ربا ، فليسمع العبد من ربه . وسبحانه لا يكلف كل الناس بالتكاليف الإيمانية ، ولكنه يكلف المؤمنين فقط . وهو يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ » فالمؤمن يدخل على الإيمان بقمة القسط ، فالقسط هو العدل ، والعدل أن يعطى العادل كل ذي حق حقه . وحق الإله الواحد أن يؤمن به الإنسان ويعترف أنه إله واحد . إن قمة القسط - إذن - هي الإيمان . وما دام المؤمن قد بدأ إيمانه بقمة القسط وهو الإيمان ، فليجعل القسط سائدا في كل تصرفاته . وإياك أن تجعل القسط أمرا أو حدثا يقع مرة وينتهى ، وإلا لما قال الحق مع إخوانك المؤمنين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ » .